الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء

26

دايرة المعارف النجفية

داود الأنطاكي شرحاً بديعاً سمّاه الكحل النفسي في شرح قصيدة الرئيس وإلى هذا أيضاً ذهب رجال التصوف والعرفاء وتفننوا في نظمه بأشعارهم وأراجيزهم مما لا مجال لذكره هنا ولكن ثبت عند أكبر علماء المسلمين المتأخرين وقامت عليه الأدلة والبراهين . والذي تحقق عندنا في دروسنا لعلم الحكمة العالية هو أن النفس جسمانية الحدوث روحانية البقاء يعني حدثت بعد حدوث الجسم وهي نماؤه وثمرته كما تحدث الثمرة من الشجرة وهذا هو المشاهد المحسوس بل هو ظاهر القرآن العظيم حيث يقول عز شأنه بعد ذكر النطفة والعلقة والمضغة ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ وهو ظاهر أو هو كالنص في أن البدن بحكمة النشوء والارتقاء يصير نفساً أو ذا نفس ويتطور فيكون خلقاً آخر إلا أن النفس تهبط إليه من عالم آخر كما يقول ابن سينا ولو كان للروح وجود قبل الجسد لتذكرت جميع ما كان لها في ذلك العالم والمجرد لا ينسى ولا يغفل ونحن بالوجدان لا نذكر شيئاً من عالم الأرحام فضلًا عما قبله وأما الأخبار وكلمات الحكماء والعرفاء فلا بد من تأويلها وتنزيلها على معان أخرى ولعلها رموز إلى الوجود العلمي وإحاطة الجبروت بالملكوت وأن بسيط الحقيقة كل الأشياء وليس لشيء من الأشياء وأمثال ذلك من أسرار الحكمة الإلهية وغوامض المعاني العرفانية التي يمكن تنزيل قصيدة الرئيس أيضاً عليها ولا يتوهم أن الحديث المشهور ( الأرواح جند مجندة ) يدل على قدم الأرواح فإنه بمعزل عن هذه المراحل وإنما المقصود منه السنخية بين أرواح الأبرار كالسنخية بين أرواح الأشرار وبهذا المضمون وردت أخبار كثيرة والله أعلم بأسرار حكمته في خلقه . 3 - ورد كثير من هذا النظير مثلما يقال أن ليلى افتصت فنبع الدم من عرق الأكحل من ذراع مجنونها قيس وأن الحسين ابن منصور الحلاج لما قتل صار دمه يكتب لا إله إلا الله أو الكلمة التي قتلوه من أجلها ( أنا الله أنا الحق ) وما في جبتي إلا الله وكل هذه أقاصيص وحكايات لم ترد بسند يعتمد عليه ويحصل الاطمئنان به ولكن لا تنفيها بتاتاً بل نحن في أمثال هذه الغرائب نمشي على قاعدة الشيخ الرئيس كلما قرع سمعك من غرائب الأكوان قدره في بقعة الإمكان حتى بدورك عنه قائم البرهان ولم يقم برهان يقضي باستحالة مثل هذه